بسم الله الرحمن الرحيم

علم الحداد

اليوم و في ذكرى المولد النبوي الشريف، قمت بالتحضير لصلاة الجنازة على أكثرية الشعب السوري. فكبرت أربعاً و لم أركع.
لماذا؟! لأني رأيت الآلاف الغفيرة تطوف حوله و تردد ملأ حناجرها تلك العبارة التي كلما أسمعها أو أقرؤها أشعر بالغثيان و القرف الشديدين، تلك العبارة “بالروح بالدم نفديك يا بشار” كما كانت لوالده سيء الصيت من قبله. إنه التأليه بأبشع صنوفه “الصنمية”، إنه الخنوع بأدنى درجات الانحطاط، إنه النفاق بالدرك الأسفل من قعر جهنم. نعم، في يوم المولد النبوي الشريف و بعد خروجهم من المسجد يرددون تلك العبارة المقززة و حوله الأمواج من الأجساد، فأين العقول؟ فأين الأرواح؟.

اليوم و في ذكرى المولد النبوي الشريف، قمت بالتحضير لصلاة الجنازة على أكثرية الشعب السوري. فكبرت أربعاً و لم أركع.
لماذا؟! لأني رأيت فتاة في المرحلة الثانوية تسجن خمس سنوات في محكمة أمن دولة “سورية” و “صورية”. و تهمتها أنها قدمت معلومات “استخباريةللسفارة الأمريكية في القاهرة أدت إلى الإضرار بضابط أمن سوري. نعم إن طلَ الملوحي جاسوسة، هذه الفتاة التي تكتب في مدونة مثل هذه و باسمها الحقيقي و تتغنى بالحرية و بفلسطين المحتلة و القدس المغتصبة هي جاسوسة لأمريكا. ألهذا الحد يفتقر النظام “للخيال” حتى يخرج علينا بهذه القصة التافهة؟ أم لأننا نحن التافهون فلا يتكبد عناء تلفيق تهمة أكثر تعقيداً؟!

اليوم و في ذكرى المولد النبوي الشريف، قمت بالتحضير لصلاة الجنازة على أكثرية الشعب السوري. فكبرت أربعاً و لم أركع.
لماذا؟! لأني رأيت عدة صفحات على الفيسبوك تشكر الرئيس لأنه “تكرمو أتاح موقعي اليوتيوب و الفيسبوك للعموم في سوريا. و يعجب بها الآلاف و هم يكيلون له بالتشكرات و تعظيمات السلام، و يرددون قائلين:”مليون شكر على مكرمتك و منتك علينا يا قائد الوطن”. و بذلك أتذكر تلك الأيام عندما كنا مجبرين على مشاهدة القناة الحكومية فقط حين تعرض أخبار مكرمات الرئيس علينا، فعندما يُحفر بئر لقرية عطشى أو تبنى مدرسة لأطفال جاهلين أو يعبَد طريق نائي أو تنار ناحية مظلمة أو يتنفس أحدنا الهواء و يشرب الماء أو يبقى على قيد الحياة و يستمر قلبه بالخفقان، فإنما هي مكرمة من مكرمات الرئيس على كل فرد منا شاء أم أبى. لقد دأب هذا النظام على تشويه الحقائق بكرة و عشياً، فحقوقنا يقدمها لنا كأنها مكرمات أو عطايا، فنحن لا نستحقها أصلاً و لكنه يحقنها فينا في فترات الصحو النادرة من غيبوبتنا الطويلة.

اليوم و في ذكرى المولد النبوي الشريف، قمت بالتحضير لصلاة الجنازة على أكثرية الشعب السوري. فكبرت أربعاً و لم أركع.
لماذا؟! لأنني قررت أن أنهي سنوات صمتي و أسعى جاهداً لحتفي فأموت في عزة و كرامة و أصلي على روحي قبل أن تغتالني يد الحقد و البطش و الطائفية الكريهة. أو أن أرى بلدي حرة من كل قيد، عزيزة في كل محفل، قوية أمام كل محتل، صامدة حيال كل عقبة. و حتى ذلك الوقت سأضع علم بلادي موسوماً بالرابط الأسود و أهيب بكم فعل ذلك في مدوناتكم و صفحاتكم و في كل بصماتكم في هذا الفضاء الواسع. لعل الله أن يكتب إحياء بلدنا على أيدينا و تقر به عيوننا.

إلى الملتقى

أبو الحسن السوري